تأملات علمية في مشهد فرش الأرض

عبد الإله بن مصباح – جامعة ابن طفيل – المغرب

من المعلوم أن الإنسان لا يستطيع أن يستجلي بعلمه كل ما تستبطنه آيات القرآن من دلالات ومعاني إعجازية. فقد جاء في كتاب الله قوله تعالى: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) (الإسراء 85). لكنه بتفكره في جمالية الكون المنظور وبتدبّره لآيات الكتاب المسطور يمكن له أن يتلمس ذلك الخيط الرفيع الذي يصل الحس الجمالي عند الإنسان بالوصف المثالي الذي جاء به القرآن. وذلك من خلال ما تنطوي عليه آيات الكتاب من توافق باهر بين ما جاءت به إشاراته الإعجازية وما تجليه الكشوفات من حقائق علمية. فكيف يتجلى ذلك في مدلول قوله تعالى: (والأرض فرشناها فنعم الماهدون) (الذاريات 48) ؟ 

لما تكلم القرآن الكريم عن تمهيد الأرض لاستقبال الإنسان الموكل إليه خلافتُها قال الله تعالى في شأنها : (والأرض فرشناها فنعم الماهدون) (الذاريات 48)، أما لما تكلم عن تشييد السماء فوق الأرض، قال سبحانه في شأن ذلك: (والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون) (الذاريات 47). فأجمل الحقُّ سبحانه هذا الوصف المقارنتي بين تهيئة الأرض وتشييد السماء ببيان جامع قال فيه عز وجل: (هو الذي جعل الأرض فراشا والسماء بناءً) (البقرة 21) للدلالة على أن تهيئة سطح الأرض للإنسان تمت بفعل عملية الفرش التي تفيد المد الأفقي كما يُطلَق الفراش ويُبسط، بينما تشييد السماء تم بفعل عملية البناء التي تفيد الرفع العمودي المتعامد مع سطح الأرض. وهذا ضَمِن حفظ الأرض في موقعها الوسط في قلب السماء ومكّن من فرْش سطحها بغطاء رسوبي هيأها للحياة بظهور النبات والحيوان تمهيدا لمجيئ الإنسان الذي له سخر الله تعالى ما في السماوات والأرض. فكيف تمت عملية الفرش هذه وما المفاهيم العلمية التي تُستشفّ من آياتها ؟ ذلك ما سنحاول وبالله التوفيق الوقوف عليه في هذا المقال.    

لما استجابت الأرض لأمر خالقها تكتلت مكوناتها وتجاذبت طائعة لربها ثم تلاحمت في صهارة حامية تكورت في فضاء الكون إلى أن استقر بها المقام في مدارها حول الشمس. ولغاية سبقت في علم الله شاءت قدرته تعالى أن يظل موقعها وسطاً بين الكواكب في المجموعة الشمسية. فنزلت حرارتها إلى حد تصلب معه سطحها. فارتفع سمكه تدريجيا إلى أن كوّن قشرة قاسية لبّست الأرض غطاء حفظها من خطر انتثار جوفها المثقل بالحرارة والضغط. وبفعل الطاقة الهائلة المنبعثة من صهارة باطن الأرض ظلت القشرة خاضعة للتفاعلات الباطنية. فظهرت فيها تصدعات وشقوق تفجرت منها سيول الصهارة التي تدفقت عبر فتحات تحددت بموجبها التقطعات التي من فجواتها سيعمل النشاط البركاني على ربط الصلة بين باطن الأرض وظهرها والتي ستُشكل الحدود الفاصلة بين قطع السطح كما نجد الإشارة إلى ذلك واردة في قول الله تعالى: (وفي الأرض قطع متجاورات) (الرعد 4).

هذه الصلة التي تجسدت في التبادل المتكافئ للمادة والطاقة بين باطن الأرض وسطحها شكلت فيما بعد القاعدة الأساسية التي عليها أُرسي النظام المحوري الضابط لميزان الأرض. وحول هذا النظام تمحورت مختلف المعادلات التي ستمهد الأرض لتشكيل فراشها.

فعلى المستوى الفيزيائي نجد معادلة التكافؤ تجلت في التوازن الحاصل بين الصعود المستمر للصهارة الباطنية للأرض وبين إلقائها على السطح ثم امتدادها اللامتناهي اللذان شكلا الآلية المركزية لتسطيح الأرض وإرساء جبالها كما يشير إلى ذلك كتاب الله في قوله تعالى: (والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي) (الحجر 19). وتُعتبر هذه المعادلة سببا في إبقاء قشرة البازلت التي تلبّس قاع المحيطات أقل سمكا من قشرة الجرانيت التي ترفع القارات إلى مستويات عالية، وذلك قصد إرساء توازن بين كتلتي البازلت العالية الكثافة (3) والجرانيت التي لا تتجاوز كثافتها (2.7). فتَشكل بذلك المظهر السطحي للأرض بين قارات يُقدر فيها معدل الارتفاع ب 300 متر ومحيطات يبلغ معدل عمقها 4800 متر. وكأن هذا الفارق بين ارتفاع القارات وانخفاض البحار الذي يقارب 5000 متر (300 + 4800) هو تعويض عن الفرق في الكثافة بين سطح اليابسة السميك الأقل كثافة وقاع المحيطات الكثيف الأقل سمكا.

ومدلول هذا التوازن الفيزيائي أن يبقى سطح الأرض الذي هو مجرد قطع متجاورات تطفو على صهارة باطنها مشدودا إلى هذا الباطن الذي يمور من شدة الغليان وذلك بواسطة الجذور البركانية المتشعبة فيه. فهذه الجذور تعتبر بمثابة متنفس تسلك من خلاله الغازات والحمم البركانية طريقها نحو السطح حين يفرط عليها الضغط. حتى إذا أُلقيت هذه الحمم على السطح تحررت غازاتها في السماء وتصلبت موادها في شكل مرتفعات ركامية تشد وثاق قطع السطح إلى باطن الأرض بفعل ارتباطها بتلك الجذور المنغرسة فيه. فكما تُشد الخيمة بالأوتاد التي تُدق في الأرض وكما تُشد الأبنية بالقوائم التي تُغرس في سمك الأرض كذلك يُشد سطح الكرة الأرضية بالجبال الني هي الآليات الميكانيكية التي ترسي قطعه وتضبط توازنه الفيزيائي. فسبحان الذي جلّا لنا هذا المشهد في قوله تعالى: (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم) (النمل 17) وجسد لنا حقيقة هذا الدور الذي تقوم به الجبال في إرساء قطع السطح المياد من خلال وصفها بالأوتاد في قوله عز وجل: (ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا) (النبأ 6 – 7). فكأننا بسقف شجرة باسقة منبسطة السطح ميادة الأغصان لكن هذه الأغصان موثّقة بفروع تشدها إلى الجذع الثابت بجذوره في الأرض. فلو فُقد هذا الوثاق لتأرجحت الأغصان ولتفسّخ سطح الشجرة تماما كما لو فُقد الربط القائم بين الجبال وجذورها الضاربة في عمق الأرض لزاغت قطع السطح عن مواطنها ولمادت الأرض بما عليها.      

أما على المستوى الكيميائي فنجد أن معادلة التكافؤ في فرش الأرض وتمهيدها للإنسان والتي تجلت في تبادل البخار والغازات (بخار الماء – غاز الكربون – النتروجين – أكسيد الكبريت وغيرها…) بين سطح الأرض وباطنها كانت السبب في نشوء الغلاف الجوي الذي حفظ مكونات الأرض وجعَل بينها وبين السماء الخارجية سقفا محفوظا. فتحول بخار الماء بعد تبرده في الجو إلى ماء سائل تساقط على الأرض ليملأ بحارها ووديانها، فاستقر هذا الماء في الأرض سالكا مجاريه على سطحها أو في طبقات جوفها. وبفعل تفتيته لصخور السطح وتحليله لمركباتها المعدنية ساهم الماء بشكل كبير في تكوين الصخور الرسوبية المتكاثرة بفعل حركة المياه والرياح التي نقلت كميات هائلة من الرواسب البرية والبحرية بحيث ساهمت التوضعات الطينية في تكوين التربة الصالحة لنمو النبات بينما ساهمت التوضعات الكلسية في امتصاص الزائد من غاز الكربون المضر بالحياة. ففُرشت الأرض بالرواسب التي عليها ستنمو كائناتها النباتية وتلطّف جوها معلناً بذلك عن بداية الحياة على سطحها.

وباستقرار النبات على سطح الأرض عملت آليات البناء الضوئي على الرفع من إنتاج الأكسجين وتطهير الجو من غاز الكربون. فازدهرت الحياة على سطح الأرض واستمر التفاعل بين باطن الأرض وسطحها في تحريك قطع السطح بحيث تباعدت القارات وتنقلت بموازاة مع ذلك كائناتها الحية التي تطورت مع شتى أنواع المناخ وتكيفت مع مختلف بيئات الأرض. فحدثت انعزالات جغرافية ظهرت على إثرها أجناس متنوعة من الكائنات البيولوجية وأنماط مختلفة من التأقلمات البرية والبحرية كما انقرضت أصناف أخرى تمشيا مع آلة التطور التي جعلها الخالق جل جلاله وسيلة لإقرار التوازنات البيئية المتوافقة مع المتغيرات الزمانية والمكانية للأرض كما نستشف ذلك من قوله تعالى: (ما لكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا) (نوح 14). فكانت النتيجة هذه التنوعات الجغرافية والطبيعية التي تُشكل فراش الأرض والتي لم تكن لتوجد لولا الفاعلية الباطنية للأرض.

هذه الفاعلية الباطنية للأرض أوجدت الجبال التي كانت سببا في ظهور الأنهار بفضل عامل الانحدار الذي أحدثته والذي بموجبه تم جريان المياه من المرتفعات إلى المنخفضات. ولذلك نجد في كتاب الله لما يكون الكلام عن مراحل الخلق، غالبا ما يأتي ذكر الأنهار مسبوقا بذكر الجبال لأن هذه الأخيرة تُشكل كما رأينا المنطلق الرئيسي لجريان المياه الآتية سواء من الأمطار أو من الثلوج التي تكسو قممها فتهيئ وضعا طوبوغرافيا يمكّن المياه من الجريان في اتجاه واحد لا رجعة فيه. فإذا لم تكن الجبال ما كانت الأنهار لأن الضغوط البنيوية التي رفعت الجبال هي التي ولّدت في سفوحها الفوالق والصدوع التي ستشكل المسالك التي فيها ستجري المياه أوديةً وأنهاراً. بالمقابل يبقى دور الأنهار أساسيا في بسط وتسوية فراش الأرض كما نستشف ذلك من الآية الكريمة التي ربطت بين دور الجبال ودور الأنهار في ضبط قرار الأرض في قوله تعالى: (أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي) (النمل 23). فالجبال هي مرتفعات صخرية لا تتوقف عن الارتفاع وإن كان ذلك غير مرئي بالرؤية المباشرة لأنه يتم وفق مقياس الزمن الجيولوجي الذي يُعد بملايين السنين. وعليه فإنه يتوجب وجود آليات تعمل على التخلص من الزائد في الارتفاع حتى لا يختل ميزان الأرض. تلك هي التعرية التي تتم تحت وطء حمولة الجبال أو بواسطة المؤثرات الجوية من رياح وأمطار وحرارة وثلوج وغير ذلك مما يأتي على قمم الجبال بتفتيت صخورها وتحليل مركباتها التي تتساقط إلى السفوح في شكل قطع مختلفة الأحجام أو تنجرف بالمياه في شكل محاليل. فتُساق هذه المواد عبر الأنهار إلى المنخفضات حيث السهول والمروج والبحيرات أو إلى مستودعاتها الأخيرة في البحر.

وبذلك تكون الأنهار التي هي العامل الرئيسي في نقل مواد تعرية الجبال بمثابة آليات تعمل على فرش الأرض عن طريق توزيع الرواسب وكساء المناطق المنبسطة بشتى أنواع الترسبات. وهذا الفرش تبدو أهميته التمهيدية من خلال ما تقوم به الأنهار من نشرٍ منظّمٍ وتوزيعٍ محكمٍ لمختلف أنواع الرواسب على مجموع مساحة سطح الأرض وما تحققه من توازن بين المرتفعات التي هي مراكز إنتاج الصخر والمنخفضات التي هي محطات الاستقطاب. فهي تعمل في نسق واحد مع الجبال على ضمان توازن سطح الأرض وضبط استقراره. وذلك مدلول الربط القائم بين الجبال والأنهار في تسوية فراش الأرض وتمهيده للإنسان.        

فالجبال هي نتوءات ناتجة إما عن ضغوط عمودية ناجمة عن صعود صهارة باطن الأرض وإلقاءها ثم تصلبها على السطح. وتلك هي الجبال البركانية التي نجد الإشارة إليها واردة في قوله تعالى: (وألقى في الأرض رواسي) من الإلقاء الذي يلي الصعود والتدفق. وإما عن ضغوط جانبية ناتجة عن تدافع الصفائح تؤدي إلى التواء القشرة الأرضية وارتفاع سمكها، وتلك هي الجبال البنيوية التي نلمس الإشارة إليها من خلال استبياننا لمعنى قوله تعالى: (ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا) (طه 104). وفي جميع الحالات تؤدّي عملية تكوين الجبال إلى دفع المعادن الباطنية للأرض إلى البروز في ثنايا المرتفعات حتى إذا تعرّضت لعامل التعرية الذي يأتي على كل مرتفع تجاوز حدا معيّنا فوق سطح الأرض، تحللت موادها ونقلت عبر مياه الأنهار والوديان إلى المنخفضات لتترسّب مع التربة وتزيد في خصوبتها أو تستمر إلى أن تتوضّع أخيرا في قعر البحار. وحسب الدراسات الجيولوجية التي أجريت لرصد المناجم، تبيّن أن العامل البنيوي للجبال له دور مهم في تخزين المواد المعدنية حيث اعتُبرت تشققات الجبال وجيوبها بمثابة مخازن معدنية. فإذا تعرضت الجبال للتعرية تحللت هذه المعادن المحزّنة وحُملت عبر مجاري المياه إلى المنخفضات لتستقر في أحواض يتم فيها تركيز المعادن عبر ملايين السنين. وهذا هو شأن المنخفضات، فهي تجلب إليها محاصيل تعرية الجبال من فتات الصخور ومحاليل المعادن. الشيء الذي يجعلنا نستخلص أن عامل تكوين الجبال كان له الدور الأساسي في تغيير وجه الأرض وبسط فراشها الذي مهّد لنمو كائناتها. فكأن ظهور الجبال على سطح الأرض كان هو العامل الأساسي الذي انطلق منه بسط فراشها تمهيدا لاستقبال الإنسان الموكل إليه خلافتها. فسبحان الله القائل: (والجبال أرساها متاعا لكم ولأنعامكم) (النازعات 32-33). 

        فرغم أن هذه المرتفعات تصعب فيها الحياة بل وتكاد تنعدم في قممها العالية، فإنها تبقى هي المموّن الأساسي للمنخفضات التي تزدهر فيها الحياة. وما ذلك إلا لكون هذه المنخفضات تشكل في الواقع محطات لاستقطاب الثروات المعدنية التي تُفرزها الجبال والتي تسلك سبل ربها حتى إذا استقرت في محطاتها الأخيرة أذرت على الإنسان فيكسب منها ويرعى أنعامه. فقد بينت الدراسات الأنتروبولوجية أن المواقع الأثرية للإنسان القديم ارتبطت دوما بالمناطق الأقل استقرارا على المستوى الجيولوجي، تلك التي بحكم تواجدها على خطوط الضعف الأرضي الناجم عن الفوالق والصدوع شكلت أودية وفجاجا استقطبت مياه الأمطار والسيول وذوبان الثلوج فكوّنت أنهارا جارية ومناطق رطبة جلبت إليها الكلأ والوحيش الذي هو مصدر غذاء الإنسان وهيأت له سبلا وفجاجا هادية له في حله وترحاله كما نص كتاب الله على ذلك في قوله تعالى: (والله جعل لكم الأرض بساطا. لتسلكوا منها سبلا فجاجا) (نوح 19 – 20). كما نجد على امتداد تاريخ البشرية أن معظم الحضارات تمركزت في سهول الأرض التي هي في الأصل ناتجة عن فرش المنخفضات بمواد تعرية الجبال كحضارة وادي النيل ودجلة والفرات وغيرها كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوّأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا) (الأعراف 73).

ويقص علينا القرآن الكريم نبأ بني إسرائيل لما ضاقوا ولم يصبروا على طعام واحد، فسألوا موسى عليه السلام أن يدعو ربه لتُخرج لهم الأرض من أنواع الزرع وأشكال الطعام فأمرهم الله تعالى بالهبوط حيث قال سبحانه: (اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم) (البقرة 60).  وكيفما كان الأمر إلى مصرَ النيل أو مصرٍ من الأمصار، فهو يفيد الهبوط إلى منخفض من الأرض. وإذا اعتبرنا الأمر إلى مصر النيل فأرضها الشاسعة عبارة عن صحراء رملية قاحلة تتخللها بعض الواحات، بينما تتمركز خيرات هذا البلد على ضفاف وادي النيل التي لا تتجاوز مساحتها نصف العشر من مساحة مصر، وهي الأراضي التي كانت تغمرها مياه فيضان النيل قبل بناء السد العالي وتفرشها بشتى أنواع المعادن المجلوبة من وسط أفريقيا. فالنيل هو أطول نهر في العالم (6700 كيلومتر)، ينبع من بحيرة فكتوريا وهي أكبر بحيرة في أفريقيا ويمر عبر الحبشة والسودان ثم مصر ليصب في البحر الأبيض المتوسط مشكلا بذلك دلتا بحر النيل حين تجاوزه القاهرة. وتستمد بحيرة فكتوريا مياهها من المرتفعات المجاورة، فهي توجد بين أعلى جبال وسط أفريقيا المكسوة بالثلوج، ومن بينها جبل كلمنجرو المطل عليها من جهة الشرق والذي يعتبر أعلى جبل بركاني في أفريقيا يصل ارتفاعه إلى 5963 متر ويخزّن كميات هائلة من المواد المعدنية المتسربة إليه من باطن الأرض. وبذلك فوجود البحيرة في هذا الموضع يجعلها نقطة جذب تُصرف إليها المياه المحمّلة بالمحاليل المعدنية الضرورية لتخصيب الأرض. ثم تساق هذه المياه وما تحمله من مواد عبر النيل آلاف الكيلومترات لتغمر أراضي جرزا فتطعّمها وتحييها. فسبحان من قال وقوله الحق: (أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم. أفلا يبصرون.) (السجدة 27). وقد جاء في تفسير ابن كثير، أن أرض مصر مُرادةٌ في هذه الآية لكونها كما قال رحمه الله : “أرض رخوة غليظة تحتاج من الماء ما لو نزل عليها مطرا لتهدمت أبنيتها فيسوق الله تعالى إليها النيل بما يتحمله من الزيادة الحاصلة من أمطار بلاد الحبشة وفيه طين أحمر فيغشى أرض مصر وهي أرض سبخة مرملة محتاجة إلى ذلك الماء وذلك الطين أيضا لينبت الزرع فيه فيستغلون كل سنة على ماء جديد ممطور في غير بلادهم وطين جديد من غير أرضهم فسبحان الحكيم الكريم.”

وهكذا نجد أن هذا الفراش الذي مهد الله به الأرض للإنسان والذي تَشكّل من جراء الفاعلية الباطنية للأرض التي تلتها عوامل التعرية والنقل والترسب كان بمثابة الإعلان عن استعداد الأرض لاستقبال الإنسان الموكّل إليه بالخلافة. حتى إذا ما استقر بها ووقع نظره على مكوناتها تحدثت إليه بنور مكونها، فأدرك أن الذي فرش الأرض في هذه الأشكال البهية وزينها في هذه الحلل الزاهية إنما مهدها للإنسان لعله ينفذ من أنوارها إلى نور المكون الذي بنوره جاء القرآن الكريم يقر الكون كأساس لبلوغ اليقين ويرصد لقراءته منهاجا علميا يستوعب كل وسائل الملاحظة والفرضية والتجربة حتى يفضيَ بالإنسان من خلال استنتاجاته النسبية إلى الحقيقة المطلقة المتجلية في قدرة الله المتحكمة في كل شيء.

Lire aussi

INSTITUT DES CULTURES DE L’ISLAM

Établissement culturel de la Ville de Paris situé dans le quartier de la Goutte d’Or, l’ICI fait connaître la diversité des cultures d’Islam et leur dynamisme dans la création contemporaine

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

*

code