إلى أين تتجه المملكة العربية السعودية “الجديدة” ؟

.أ.د كريم افراق

الأستاذ الدكتور كريم إفراق باحث بالمركز الوطني للبحوث العلمية بباريس، متخصص في القضايا الإسلامية، له مشاركات عديدة في عدد من البرامج التلفزيونية والاذاعية الوطنية الفرنسية وغيرها. عنوان آخر كتاب صدر للدكتور كريم إفراق بالديار الفرنسية: « التجديد والاصلاح في الاسلام: مفاتيح للقراءة «  باللغة الفرنسية. وكتاب « الحرية، المساوات والاخاء: قيم روحية، قيم جمهورية «  كتاب اخر باللغة الفرنسية، صدَر له الوزير الاول الفرنسي: السيد إدوارد فيليب.

 

أثبت ولي عهد المملكة العربية السعودية، الأمير محمد بن سلمان آل سعود، وذاك في مناسبات عديدة، أنه شخصية فريدة من نوعها. وبكونه ممثلا لجيل شاب أكد العزم على تحريك الخطوط، فقد قاد عدة إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية أكسبته، بحسب اقوال المراقبين الدوليين، لقب “رجل الشرق الأوسط الجديد القوي”.

            على عكس النخبة التي تشد الرحال، عادة، للدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية أو المملكة المتحدة، فقد قضى هذا الأمير الشاب جل حياته الدراسية في عاصمة المملكة الرياض. “قدر” ساعده على إدراك واقع بلاده إدراكاً تاماً، مما مكنه في الان ذاته، من معرفة أين يجب عليه أن يبدأ. فقه بالواقع مكن “رجل الشرق الأوسط الجديد القوي”، وذاك في غضون سنوات قليلة، من إحداث ثورة عظيمة في المملكة، ظاهرة وباطنة، دفعها بها للانفتاح على العالم والتطلع إلى المستقبل. ثورة عظيمة حصنتها من انفجار داخلي بات محتما، عظيم الضرر على المنطقة بل والعالم. قناعة دفعت به للاصطدام وجهاً لوجه مع علية القوم من اهل الحل والعقد، الاوساط الدينية التقليدية في مقدمتهم، وذاك رغم شوكتهما القوية للغاية.

           تجاه الطبقة السياسية، كان الخطاب سلسلا لكن فعالا: “إن عصب الحرب المال”، بعبارة أكثر وضوحا، ستُعطى الأولوية لتنشيط الاقتصاد الوطني، ولا سيما من خلال إنشاء برنامج تنمية اقتصادية لم يعرف له مثيلا. “رؤية السعودية 2030” اسم رمزي لمشروع طموح هدفه النهائي تحرير المملكة من مزالق ” النفط قوام كل شيء”. أما تجاه الاوساط الدينية التقليدية، فقد أكد ولي العهد، وبكل شفافية، على رغبته في وضع حد لتأثيرات الدوائر الدينية المحافظة، والتي دعاها بشكل صارم إلى تغيير مواقفها السلبية، ايمانا منه بأن مصيرها حتما محكوم عليه بالزوال. وفي هذا السياق، أعلن على هامش مؤتمر المبادرة الدولية للاستثمار المستقبلي، الذي عقد في أكتوبر 2017، أن المملكة العربية السعودية يتحتم عليها العودة إلى الإسلام المعتدل، المتسامح والمنفتح على العالم، بما في ذلك المنفتح على جميع الأديان الأخرى. وبناء عليه، أعلن وبوضوح لا يشوبه تردد، أنه لن يدع بلاده تقضي السنوات الثلاثين القادمة من حياتها في التكيف مع الأيديولوجيات المتطرفة، بل سيعمل جاهدا على وضع حد لذلك. وكدليل على هذا الانفتاح، فقد فتح الباب على مصراعيه أمام النساء السعوديات ليتمكن من المشاركة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والثقافية بل والسياسية. مما يؤكد أنه من الآن فصاعدًا، سيصبح كل شيء في متناولهن؛ بدء بإدارة أعمالهن الخاصة، وشغل المناصب العسكرية، و “قيادة سياراتهن الخاصة”. حقوق إنسانية كان من المتعذر الوصول إليها تمامًا في السابق.

            دليل آخر على هذا الإصلاح العظيم، ذاك المنعرج بنحو 360 درجة الذي قام به داخل رابطة العالم الإسلامي القوية. فنظرًا لكونها “الذراع الديني” للمملكة، فقد استثمرت ماضيا في نشر رؤية نمطية للإسلام حجرت واسعا. اما حاضرا فإنها تطمح الى أن تصير المتحدث الرسمي باسم الإسلام المتسامح المستنير. أداة قوية عهد بها رجل المملكة العربية السعودية الجديدة القوي، إلى رجل هو محط ثقته الكاملة: الدكتور محمد العيسى.

            منذ ذلك الحين، عمل الدكتور محمد العيسى، صاحب الخبرة العريضة والمواهب المتعددة، جاهدا على جعل الحوار بين الأديان والثقافات، ومكافحة التطرف وتعزيز السلام، على رأس أولويات الرابطة. توجه جديد أقره الأمين العام الجديد بدون تأبط، حيث أكد خلال مقابلة له مع البابا فرنسوا، أن “الإسلام يدعو المسلمين إلى احترام قوانين ومؤسسات الدول والمناطق التي يعيشون بها “. سابقة عظيمة تبعتها أخريات تتقدمها: قمة “ميثاق مكة”. اجتماع عالمي اضحى أشهر من نار على علم، وذاك بفضل مشاركة 1200 عالم مسلم متعددي المشارب والمدارس، أتوا من 139 دولة عربية وعجمية، إسلامية وغير اسلامية. قمة غير مسبوقة وضعت قضية المرأة في أولى اهتماماتها، داعية إلى احترام جميع حقوقها، سواء في المجالات الدينية أو العلمية أو السياسية أو الاجتماعية أو غيرها دون أي تمييز. قمة أكدت على حقوق المسلمين وواجباتهم بما فيها المواقف التي يجب اعتمادها تجاه المسلمين وغيرهم. وفي المنحى نفسه، وقع معالي الدكتور محمد العيسى، في نيويورك، مع ديفيد هاريس، رئيس اللجنة اليهودية الأمريكية، مذكرة صداقة وتعاون. توقيع انتهى برحلة إلى معسكر أوشفيتز، حيث خلد الرجلان ذكرى تحرير المعسكرات النازية معًا. فعاليات تماد لا تصدق، حقيقة لم يرى مثلها قط.

           في ماض قريب، كانت الرابطة أداة ترويج لرؤية ضيقة وتعصبية للإسلام، اما الآن وهي تحت إدارة سكرتيرها العام الجديد، فإنها تهدف إلى أن تكون مجمعا للبحرين، وفضاء للحوار، ومحطة للتسامح. قيم إنسانية دفعتها إلى تكريس جهودها، غيضا من فيض، للمساعدات الإنسانية، بغض النظر عن الاعتقادات الدينية، ولتعزيز السلام في كل مكان في العالم ولمكافحة جميع أشكال التطرف والإرهاب. وانسجاما مع هذه المثل الإسلامية والانسانية العليا، نظمت الرابطة في باريس “مؤتمرا دوليا للسلام والتضامن”، دعي إليه العديد من الشخصيات الوطنية والدولية، نذكر من بينهم، استئناسا لا استثناء، حاييم كورسيا، كبير حاخامات فرنسا، وفرانسوا كلافيرولي، رئيس الاتحاد البروتستانتي في فرنسا. لقاء رفيع المستوى تم تنظيمه في أبهى حلة، ولكن للأسف الشديد، وذاك بسبب بعض الحساسيات المحلية، لم ينجح في تحقيق كل النتائج المتوقعة.

            بيد انه، وذاك على الرغم من كل هذه الجهود المتواصلة والتي قطعت صلتها تمامًا بالماضي، تظل الرابطة ضحية لسمعتها القديمة اللصيقة للأسف بكيانها: كونها جهاز دعاية رجعية متزمتة. عبئ ثقيل لا يخلو من طرح تساءل ليس بالهين: هل ستنجح الرابطة الجديدة في الفوز برهانها الكبير، أي تغيير صورتها النمطية على وجه الخصوص، بناء على الدعوة إلى مزيد من التسامح والتعارف والمكافحة لجميع أشكال التطرف والإرهاب؟

            حتما، المستقبل القريب سيأتينا بالخبر اليقين. اما حكما بالظواهر، فبوجود وجهود الدكتور محمد العيسى على رأس الرابطة الجديدة، يبدو أن مجريات الامور تؤكد على أنها تسير في الاتجاه الصحيح … في وقتنا الحالي. او ليس الغد لناظره بقريب!

Lire aussi

INSTITUT DES CULTURES DE L’ISLAM

Établissement culturel de la Ville de Paris situé dans le quartier de la Goutte d’Or, l’ICI fait connaître la diversité des cultures d’Islam et leur dynamisme dans la création contemporaine

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

*

code