الإعجاز في إشارة القرآن إلى جانب الطور الأيمن

Le mont Sinaï

(عبد الإله بن مصباح – جامعة ابن طفيل – المغرب)

من المفارقات الغريبة في آيات الجبال أن تجد الإشارة وردت إليها في مواضع من كتاب الله دالة على حركتها كقوله تعالى: (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) (النمل 90) وفي مواضع أخَر دالة على ثبوتها كقوله تعالى: (ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا) (النبأ 6-7). كما أن من الأسرار العجيبة في شأنها أن تجد كتاب الله يخاطب بجانب الطور الأيمن علما بأن الطور جبل والجبال لا يُعرف لها أمام من خلف حتى يُحدد لها جانب أيمن وآخر أيسر. فما السر الذي تخفيه هذه الإشارات بشأن وضع الجبال على سطح الأرض؟  

من خلال وقفة تأملية على تحليل مواصفات كل من الجبال والسحاب نجد أن الجبال في الأرض يقابلها السحاب في السماء. وعليه فقد يتصور المتأمل لهذا التشبيه من خلال الآيتين أن المقصود بمر الجبال وهي الثابتة على الأرض دورانها معها كما نرى السحاب من الأرض يمر في جو السماء وهذا وارد. إلا أن المعاينة الدقيقة لهذه المقابلة تفرز عن أوجه أخرى للشبه تتعدد بتعدد القواسم المشتركة بين السحاب والجبال. فإذا كان السحاب هو كتل هوائية من الغلاف الغازي للأرض محمولة في شكل قطع تحركها تيارات الرياح الناتجة عن الفارق في الضغط والكثافة بين مستويات جو الأرض الغازية، فإن الجبال هي أيضا كتل من الغلاف الصخري للأرض محمولة على قطعه المتجاورات التي تحركها تيارات الحمل الحراري الناتجة عن فارق الضغط والكثافة بين مستويات باطن الأرض التي تمور. هذا عن الشكل أما عن الحركة، فكما أن السحاب يبدأ سيره بحركة عمودية ناتجة عن تبخر مياه سطح الأرض التي تصعد في شكل كتل هوائية دافئة إلى الأجواء الباردة ثم تتحرك أفقيا بعد تضائل كثافتها إلى أن تصل رطوبتها إلى درجة التشبع فتنتهي مطرا، فكذلك الجبال تبدأ نشأتها من حركة عمودية ناتجة عن مور باطن الأرض الذي يصعّد الصهارة المحركة لقطع السطح فينجم عن ذلك إما التواء طبقات القشرة الأرضية تحت وقع الضغوط الجانبية وارتفاع جزءها الأعلى وتلك هي الجبال البنيوية وإما تدفق الصهارة التي تقسو على السطح بعد تبردها وتشكل نتوءات مرتفعة وهي الجبال البركانية. ثم تتحرك كل من هذه الجبال أفقيا مع الصفائح التي تُقلها إلى أن تنتهي بالانصهار في باطن الأرض أو بالتعرية على سطحها. (الصورة 1).

 

الصورة 1: مقارنة حركة السحاب مع حركة الجبال (مقتطف من Google)

وعليه فإن العناصر الأساسية في تحريك كل من السحاب والجبال تكاد تكون مطابقة لبعضها. ولهذا جاءت الآية الكريمة مشبهة حركة الجبال بمر السحاب لبيان القصد من المعنى لأن المر هو سير لمرة واحدة في اتجاه واحد صوب وجهة لا رجعة فيها كما جاء في الاصطلاح اللغوي: مرّ أي جاز وذهب. فكان المقصود والله أعلم بذلك التشبيه إرجاع أبصارنا إلى تلك الحركة التي يبديها لنا السحاب بين نشوءه ونهايته لعلنا إذا استوعبناها وجدناها دالة بالحس والمعنى على حقيقة حركة الجبال، تلك الحركة الحثيثة التي لا نلمسها إلا بقياسات علمية دقيقة نظرا لعظمة بنيان الجبال وطول أعمارها وبطء حركتها مقابل محدودية أبصارنا وقصر أعمارنا وسرعة حركتنا فنحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب.

أما قوله تعالى:(ألم نجعل الأرض مهادا. والجبال أوتادا) (النبأ 6-7) الذي يفيد ثبوت الجبال فقد بينتُ في الفصل السابق بالمعادلات الحسابية أن الجبال لا يمكن لها أن تنتصب على سطح الأرض وتستقر لولا انغراسها العميق في القشرة الأرضية. وأوضحت من خلال ذلك التحليل أن سمك القشرة الأرضية يزداد تحت كل جبل بنسبة تفوق القدر الذي يرتفع به الجبل عن مستوى السطح بعشرات الأضعاف. فلئن كان الظاهر من الجبل هو ما يطفو على سطح القشرة، فإن جزءه الأكبر يبقى مغروسا داخلها مكوّنا بذلك كتلة صخرية توتّد قطعة السطح التي تحمله في عمق الأرض. وهذا يعني أن نصب الجبال على ظهر الأرض يقوم بدور الموتّد لقطع السطح كما تقوم الأوتاد التي تدق في الأرض بشد وثاق الخيام وكما ترسي الأثقال المدلية في قعر البحر السفن عل ظهره.

وهذا المعنى تكتمل صورته من خلال وقوفنا على اللفتة البيانية التي خاطب بها كتاب الله في شأن جبل طور الذي كلّم الله منه نبيه موسى عليه السلام بسيناء. فذكر لنا سبحانه، لما قص علينا النبأ، جانب الطور الأيمن وجعله في آية أخرى الجانب الغربي، حتى يدلنا من خلال تحديد المواقع على أسرار ما تخفيه المواضيع. فقال عز وجل في سورة مريم: (وناديناه من جانب الطور الأيمن) (مريم 52). وقال في سورة طه: (يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن) (طه 80). ثم قال أيضا: (وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر) (القصص 44).

وعليه فلئن كان كتاب الله قد أشار إلى شاطئ الوادي الأيمن في قوله تعالى:(فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة) (القصص 30) فلأن مجرى الوادي الموجه من المنبع إلى المصب بموجب عامل الانحدار الطوبوغرافي يحدد له الأمام وبالتالي ضفته اليمنى وضفته اليسرى. أما أن يخاطب كتاب الله بجانب الطور الأيمن والطور هو جبل أي كتلة صخرية لا يُعرف لها أمام من خلف حتى يحدد لها اليمين من الشمال فذلك يبقى من الأسرار التي لا يمكن فك رموزها إلا بحس علمي عميق.

 هذا الحس يمكن استقراءه من المعطيات الجيولوجية الحديثة وخاصة البنيوية (plate tectonics) التي تبين أن سطح الأرض مكون من قطع متجاورات تشكل صفائح تتحرك باستمرار فوق صهارة باطن الأرض اللزجة. إلا أن حركة هذه القطع لا نلمسها نظرا لشدة بطئها إذ لا تتعدى في أقصى الحالات بضع سنتمترات في السنة. وهي التي تسبب الزلازل والبراكين وما إلى ذلك. ويمكن تشبيه الواحدة من هذه الصفائح ببساط صخري ينشأ عند حزام الصدع، في مناطق الاتساع حيث تتنافر قطع السطح وتطفو الصهارة فتلقى على جنبات الصفائح  ثم تبرد تدريجيا وتقسو لتكوّن تراكمات بركانية تمد الصفيحة أفقيا في اتجاهات محددة بحركة الصفيحة كما نجد الإشارة إلى ذلك في قوله  تعالى : (والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي) (الحجر 19). فإذا وصل مد الصفيحة بعد ملايين السنين إلى نقطة النهاية في الجانب المعاكس حيث التصادم مع صفيحة أخرى كما أشرنا إلى ذلك من قبل، انضوى طرفها تدريجيا تحت هذه الأخيرة (subduction)، وتناقص بانصهاره من جديد في باطن الأرض. وهو جانب مما يحمله معنى قوله تعالى: (أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها) (الأنبياء 44). إذن فالجبال التي تُحمل فوق هذه الصفائح تتحرك بتحرك الصفيحة التي تحملها وفق اتجاه واحد لا رجعة فيه. الشيء الذي يحدد لها الأمام وبالتالي اليمين من الشمال.

وبذلك تكون الجبال تمر في اتجاه واحد محكوم بحركة الصفيحة التي تحملها كما وقفنا على ذلك بشأن مر السحاب. فقد رأينا كيف أن السحاب ينشأ في أماكن تبخر المياه في البحار والمحيطات ثم يساق بالرياح في اتجاهات معينة إلى أن ينتهي بنزوله مطرا كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: (وهو الذي يرسل الرياح نشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء) (الأعراف 57) الذي يفيد أن السحاب يساق كما تساق مياه الأنهار من منابعها مرورا بالأراضي التي ترويها إلى أن تنتهي في مصباتها مصداقا لقوله تعالى: (أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز) (السجدة 27). وبما أن النص القرآني يقر بأن حركة الجبال هي شبيهة بحركة السحاب، وبكون السحاب يساق في اتجاه واحد كما تساق مياه الأنهار من المنبع إلى المصب، فإن المنطق يفرض أن تكون لكل من هذه الظواهر وجهة واحدة تسير إليها انطلاقا من نقطة البداية التي تتركها خلفها إلى نقطة النهاية التي تظل أمامها.

ولما  كانت الجبال تمر بدورها وفق هذا التوجه مُرسية سطح الأرض بقاعدة موتّدة في القطعة التي تُقلها، فإن وجهتها تكون ألزمت بوجوب تحديد جانب أيمن وهو ما على يمين اتجاه الجبل وجانب أيسر وهو ما على شماله. تماما كما للوادي ضفة يمنى وضفة يسرى، وكما للبشر يمين ويسار. فإذا كان سيدنا موسى عليه السلام قد أقبل من مدين قاصدا مصر، وهو ما نجده في التفاسير، فهو يكون يتجه من طريق الحجاز الموجود إلى الشرق من سيناء نحو مصر الموجودة إلى الغرب منها. وبما أنه قصد النار في اتجاه الجبل متقبلا الكعبة الموجودة إلى الجنوب كما قال ابن كثير في تفسيره، فهو يكون مشرفا على جبل طور المحمول فوق الصفيحة الإفريقية التي تتجه، كما هو مسطر على الخريطة البنيوية لقطع سطح الأرض، نحو الجنوب على طول حزام الصدع الفاصل بينها وبين صفيحة الجزيرة العربية التي تتحرك نحو الشمال. وبما أن حركة الصفيحة التي تُقل جبل طور، وإن لم تكن ملموسة، تتجه نحو الجنوب، فإن الجانب الغربي للجبل المنصوص عليه في سورة القصص (الآية 44) يكون وافق جانب الطور الأيمن كما هو مبين على الصورة 2 التي تظهر شبه جزيرة سيناء المقلة لجبل طور واتجاه حركتها نحو الجنوب.

صورة 2 :  تحرك سيناء إلى الجنوب مع الصفيحة الإفريقية (مقتطف من Google)

وبذلك يتضح لنا، والله أعلم، أن مفهوم جانب الطور الأيمن المنصوص عليه في القرآن الكريم، يعني الجانب الأيمن للجبل. فبرمزية التعبير لمح لنا الحق سبحانه من خلال هذه الآيات إلى حقيقة حركة الجبال تلميحا يتناسب مع تطور الفهم وتقدم المعرفة. بحيث وإن لم نقصد من خلال هذه الآية الوقوف على هذه الحقيقة إلا أن قراءتنا لجوانبها الخفية من خلال المعطيات العلمية الحديثة جعلنا ندرك من سياقها هذا العمق المعنوي الذي يعطي دليلا ملموسا  على تحرك الجبال وفق اتجاهات قطع السطح التي تُقلها. وهي الحقيقة التي لم يتنبه الإنسان إليها إلا بعد اكتشاف نظرية الألواح البنيوية (plate tectonics) من قبل العالم الألماني Alfred WEGNER سنة   1910، والتي اكتست مصداقيتها بعد سنة 1960 (1) حيث مكنت كبريات الرحلات الاستكشافية لأعماق البحار من توضيح المفاهيم حول كيفية تحرك قطع السطح. فوضعت بذلك الخريطة البنيوية لسطح الأرض، وسطرت عليها الاتجاهات التي تتحرك فيها كل قطعة من قطعه.

         وهكذا لما تكلمت الجيولوجيا عن زحزحة القارات (la dérive des continents) فإنها تكون أقرت بأن سطح الأرض ليس قطعة واحدة ولكن مجموعة قطع يحادي بعضها بعضا كما بينّا. إلا أن هذه القطع المسماة في الجيولوجيا بالألواح أو الصفائح التكتونية (plaques tectoniques) ليست جامدة بل تتحرك كما ثبت بالقياسات الجيوفيزيائية في اتجاهات لا رجعة فيها وبسرعات غير ملموسة، مما يحدد لها الأمام من الخلف. وعليه فبما أن الجبال هي محمولة فوق هذه القطع المتحركة فإن وجود الجبل ثابتا فوق القطعة يجعله متحركا معها. مما يحدد له هو أيضا الأمام من الخلف. وهذا يعطي منطقا للكلام عن يمين الجبل وشماله نسبة إلى الاتجاه العام الذي يسير فيه وفقا لحركة القطعة التي تحمله. فإذا وجدنا في كتاب الله آيتين تكلمت عن يمين جبل فهل تكون اختزلت في هذا الكلام معاني ما وصلت إليه الجيولوجيا من اكتشافات علمية بشأن الجبال فتكون الجيولوجيا من خلال ذلك تتكلم اليوم لغة القرآن أم أن تلبيس كلمات القرآن مثل هذه التصورات العلمية يبقى من قبيل التكلف في الفهم ؟ 

____________________________________________________________________

(1) PICHON (Le) X. FRANCHETEAU J. & BONNIN J. (1976) : Plate tectonics. ElsevierSc. Publ. 311 p.

 

Lire aussi

من الشجر الأخضر إلى مصادر الوقود

(عبد الإله بن مصباح – جامعة ابن طفيل – المغرب)  جاءت في أواخر سورتي يس …