لما تتهجم الحكومة الفرنسية على الطفولة

BD réalisée par Adam, élève de 3ème

 

 

خلال شهر نونبر المنصرم، قام عشرات من رجال الشرطة، بدعم من فرقة حماية الأحداث، باجتياح مبنى مدرسة MHS Paris الواقعة بباريس، مدرسة الحرة تستقبل أكر من مائة من التلاميذ في صفوف الإعدادي والثانوي. وكنتيجة لمعاينة إدارية سابقة مفاجئة، خرجت مديرية الشرطة بقرار يفيد بالإغلاق التام للمؤسسة، وهل ذاك الا لسبب بسيط : عدم استجابة مداخل الطابق الأرضي للمبنى لبعض شروط السلامة.

علما بأن المؤسسة تقع في الطابق الأول، تجدر الإشارة الى كون هذه البناية، بحسب ما أفادت به الوكالة المكلفة بتدبيرها، مُصادق على كونها مؤسسة قابلة لاستقبال العوام، الى جانب الأشخاص المعاقين جسديا. زيادة على ما تقدم، فالبناية تأوي عددا من الشركات والمؤسسات بما في ذلك مركزا تابعا لمستشفيات باريس، يستقبل أطفالا يستفيدون من متابعة للأمراض النفسية، الى جانب جمعية تستقبل أطفالا يعانون من مرض التوحد، بل وأن هنالك في البناية مركزا ثقافيا تابعا للشرطة القضائية يستقبل الجناة القاصرين.  وزيادة على هذا وذاك، فعند طرح بعض الصحافيين لأسئلة متعلقة بقضية الإغلاق التام للمؤسسة، لاقوا رفضا قاطعا من طرف مديرية الشرطة بباريس. مما يدفعنا الى القول بأن الأسباب التي تم الإدلاء بها ليست في حقيقة الأمر سوى أعذار زائفة، إذ أعلنت وزارة العدل بالفعل عن كون هذا الإجراء يدخل في ضل جهود الدولة في محاربة “الإسلاموية” ومختلف مظاهر التعدي على مبادئ الجمهورية الفرنسية. مما يدفعنا للتساؤل عن طبيعة هذه المدرسة

MHS Paris مؤسسة باريسية توجد في قلب “القدس الصغيرة” حيث الكنائس اليهودية و المدارس العمومية. تعرض مدرسة  MHS Paris على تلاميذها تعليما ذو جودة عالية يتماشى مع منهاج التربية الوطنية الفرنسية،  خال تماما من كل تلقين لدروس دينية أو ما شابه ذلك، بل وانها تمتثل تمثيلا تاما للقيم العلمانية للجمهورية. وعند تأسيسها سنة ٢٠١٥، تعمدت المؤسسة فتح أبوابها للطبقات الضعيفة من المهاجرين المسلمين بفرنسا، الراغبين في تأمين مستقبل زاهر لفلذات أكبادهم. وبفضل النتائج المبهرة التي استطاعت المدرسة تحقيقها، تمكنت من طمس تجليات الاختلافات الطبقية. غير أنه، تفاديا لنعتها بمختلف معالم الطائفية، قررت مديرة المؤسسة السيدة حنان الوكيلي توسيع نطاقها لتجعل منها ملتقى لكل الثقافات والمذاهب.

أين يكمن الخلل إذن؟

بكل بساطة، في كونها مدرسة حرة يخول السماح لتلامذتها لإبراز الرموز الدينية عيانا، إذ ظهرت بعض تلميذات المؤسسة وهن مرتديات للحجاب على الصفحة الرسمية العنكبوتية للمؤسسة، مما أثار استياء وزارة الداخلية واذكاء هاجس موضوع الانفصالية لديها. وكنتيجة لكل هذه المعطيات، تم الزج خارج مقاعد المدرسة بأزيد من 110 تلميذ، كما عانى عدد من الأساتذة الأكفاء من البطالة.  بل وان المثير للسخرية، كون نفس هؤلاء التلاميذ كانوا قد شاركوا، منذ وقت قليل، في فعاليات اضرام شعلة قوس النصر، بدعوة من وزارة الدفاع الفرنسية.

فهل يتعلق الأمر بالعلمانية؟ حتما لا. كيف ذلك والمؤسسة نفسها خاضعة لمبادئ العلمانية في أبهى تجلياتها، الى جانب كون المؤسسة حرة، يمنحها هذا الإطار كامل الصلاحية في اختيار برنامجا تعليميا دينيا أو علمانيا على حد السواء.

 

منهجيات سوفياتية

دون أدنى شعور بالذنب، تعترف السلطات باستعمالها حيلا شنعاء في محاولة إقفال فضاءات تجمعات المسلمين. فإبّان تفصيله لتقرير عن التطرف الإسلامي، أدلى دانيال اوفرلو، رئيس أكاديمية كريتاي، بتصريح يعترف فيه بتضليله للقانون قصد إقفال المؤسسات التي يتوافد عليها المسلمون. تقرير مفاده: ” خلال 37 عملية تفتيش أجريناها العام المنصرم، لم يبرر أي تقرير على الإطلاق الإغلاق التام لأسباب ذات صلة بالتربية الوطنية، مما دفعنا لاستعمال حجج تافهة مثل الاحتفاظ بأطعمة غير مغلفة داخل الثلاجة لإقفال المؤسسات.”

 

عنصرية حكومية

         “عنصرية حكومية” كما جاء في وصف أستاذ العلوم السياسية أوليفيي لوكور ڭرانميزون الذي يرى في الوضع الراهن ترسيخا لتاريخ الاحتلال الفرنسي حسب ما جاء في البند الأول من قانون 23 فبراير 2005 : ” الأمة تعرب عن امتنانها للنساء والرجال الذين شاركوا في الأعمال التي أنجزتها فرنسا في المقاطعات المحتلة قديما من طرفها كالجزائر والمغرب وتونس والهندوشين، وكذلك في الأراضي التي سبق وضعها تحت السيادة الفرنسية.”  وفي وقت سابق من مجرى هذا الشهر، قارن 48 مثقفًا يهوديًا اضطهاد الشباب المسلم بالاضطهاد نفسه الذي عانى منه الأطفال اليهود خلال نظام فيشي.

فكيف يسعنا ان لا نرى في الهجمات المتتالية والغير مبررة على المدارس، و لما لا على الكتب في وقت لاحق، إرهابا حكوميا أو صيغة جديدة «لالتنظيف الإثني” : المذبحة الفكرية؟

لنتضامن اذن

أمام هذا الإنكار للقيم الجمهورية والمبادئ الديمقراطية، حان الوقت لمسلمي فرنسا أن يتحركوا، ليس بالعنف الذي يخدم فقط مصالح المتعصبين، بل على العكس من ذلك، بالوسائل التي تتيحها الجمهورية للمواطنين : التصويت والقضاء. كما يجب عليهم أيضًا إسماع صوتهم: صوت الذكاء والمعروف، صوت الكرم والتضامن، ومن خلال موقفهم وكتاباتهم وفنون الالتزام السياسي.

الأمر متروك لهم لإحياء ما تخلى عنه الآخرون: شعار فرنسا “الحرية والمساواة والأخوة.”

عبد الجليل أسمر

.

Lire aussi

INSTITUT DES CULTURES DE L’ISLAM

Établissement culturel de la Ville de Paris situé dans le quartier de la Goutte d’Or, l’ICI fait connaître la diversité des cultures d’Islam et leur dynamisme dans la création contemporaine

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

*

code