عالم تحت النفوذ – دور ومكانة المملكة العربية السعودية

الأستاذ الدكتور كريم إفراق

Karim Ifrak

الأستاذ الدكتور كريم إفراق باحث بالمركز الوطني للبحوث العلمية بباريس، متخصص في القضايا الإسلامية، له مشاركات عديدة في عدد من البرامج التلفزيونية والاذاعية الوطنية الفرنسية وغيرها. عنوان آخر كتاب صدر للدكتور كريم إفراق بالديار الفرنسية: « التجديد والاصلاح في الاسلام: مفاتيح للقراءة « باللغة الفرنسية. وكتاب « الحرية، المساوات والاخاء: قيم روحية، قيم جمهورية « كتاب اخر باللغة الفرنسية، صدَر له الوزير الاول الفرنسي: السيد إدوارد فيليب.

إذا كانت المملكة العربية السعودية هي أكبر دول الخليج مساحة، فهي على ذات المستوى نفسه من حيث تأثيرها المباشر في المنطقة، في العالم الإسلامي بشكل عام، وفي العالم العربي بشكل خاص. وبكونها تمتلك ثاني أكبر احتياط عالمي للنفط، فإنها تحتل المرتبة الأولى كقوة اقتصادية رائدة في الشرق الأوسط، والمرتبة 18 على مستوى العالم. أسباب جعلت من هذه المملكة الطموحة، كلما ذكر اسمها، محل كل الأنظار والاهتمامات. ورغم كل هذا وذاك، فإنها تعتبر، في غالبية الأحيان، مصدر قلق في نظر الرأي العام الدولي عامة، الغربي خاصة. السبب في ذلك: دبلوماسيتها الدينية المتداعية الاطراف التي تساور أكثر مما تطمئن. ومن حيث انها مصدرا لربع احتياطيات النفط في العالم، فقد أثارت المملكة العربية السعودية أطماع القوى العظمى منذ الاكتشافات الأولى لحقولها النفطية العظيمة. النفط، بكونه مورد طاقة ضروري لحياة الاقتصاد العالمي، وبالتالي مصدرا للتنافس الجيوسياسي والجيواستراتيجي، رقى بهذا البلد الذي كان منذ فترة طويلة تحت سلطة الباب العالي، إلى رتبة واحدة من أشهر دول العالم. بيد انه كلما دار الحديث عن المملكة العربية السعودية، غالبا نظرًا لمواردها النفطية الثمينة، فكذلك لكونها قد خاضت، في نهاية الحرب العالمية الثانية، حربا أخرى لا تقل عنها أهمية: الحرب الباردة.

يومئذ، كانت التحديات جبارة، لم تترك للمملكة العربية السعودية سوى خيار ضيق للغاية. الدعم، بفضل ثرواتها النفطية، “العالم الحر”، الديمقراطي و “المؤمن” أو تنظر الى كل مشاريعها المستقبلية، تتبخر تحت وطأة “العالم السوفيتي”، الاستبدادي و “الملحد”. فما كان الا ان بادرت دولة السعودية الفتية بإبرام تحالف متين، عام 1945، مع الدولة التي كان من المقرر أن تصبح أكبر قوة عالمية جديدة: الولايات المتحدة الأمريكية. مع المكاسب المالية غير المتوقعة والنابعة من البترودولار، ضمنت الولايات المتحدة، أول مستفيد من تلك الحرب العالمية، وذاك من خلال برنامجها الاقتصادي مارشال، ولاء حلفائها في نفس الوقت الذي وضعتهم تحت الوصاية بشكل أو بآخر. بعد الاطمئنان على الناحية الاقتصادية، بقي عليها الاطمئنان على الناحية الأيديولوجية، توجهات العالم الإسلامي على وجه الخصوص.

خلال الخمسينيات من القرن المنصرم، شاهد العالم الإسلامي، والذي كان خاضعًا بصفة عامة لاستعمار لا خير فيه، تفاشي أيديولوجية جديدة نشأت في حضن ثورة الاتحاد السوفيتي : الشيوعية. كان على المملكة العربية السعودية، بمواردها المالية الضخمة وقربها الكبير من شرطي العالم الجديد، أن تلعب، بناءً على طلب هذا الحليف القوي، دور السد الأيديولوجي المنيع. كان الهدف واضحا: تحصين العالم الإسلامي، أيديولوجيًا، من هذا “الإلحاد” الكبير ضرره على جسده وروحه. فحشدت على الفور من الموارد المالية والبشرية والدبلوماسية واللوجستية والأمنية ما يتناسب مع هذه القضية ذات الأبعاد الدولية. فكان من أولى اهتمامات آل سعود، احباط مشاريع مصر الناصرية كونها العقل المدبر لهذا التوجه الذي عقدت العزم من خلاله، على قلب العالم الإسلامي الواسع الى عالم عربي ضيق. فبدأ الحليف الاول لدول الحلفاء في انشاء العديد من المؤسسات في المدينة المنورة ومكة الكرمة الى جانب العديد من المؤسسات التي رأت النور في مناطق أخرى حول العالم.

كان الهدف من هذا الفوران العظيم امرين لا ثالث لهما: معارضة المشروع القومي العربي الناصري بالمشروع الإسلامي العالمي، وتوسيع التأثير الدبلوماسي والثقافي لبلاد الحرمين، حول العالم، قدر الإمكان. تكلفت “حرب 1967 ” المعروفة ايضا تحت مسمى “نكسة حزيران”، بالباقي. بسقوط عبد الناصر وحزبه، تنامى تأثير المملكة العربية السعودية على المستوى العالمي. تأثير ساهم، بدعم من “العالم الحر”، عام 1989، في إسقاط آخر حصن من “العالم السوفيتي”: جدار برلين.
تخيل الآن، وللحظة، ما الذي كان سيصير اليه حال العالم لو اختارت هذه الدولة الفتية، لسبب او آخر، أن تدعم، بدل “العالم الحر”، “العالم السوفيتي”؟

Mohammad Al-Issaفي قلب هذا الأسطول القوي الذي تم خلقه بهدف تطوير نفوذ المملكة العربية السعودية، تحتل، لا محالة، رابطة العالم الإسلامي المكانة الرفيعة واليد الطولى ضمن هذا الجهاز الجبار. منظمة غير حكومية أسست عام 1962، تتألف من عضوية 53 دولة، لها حاليًا حضور في أكثر من 120 دولة، شكلت، من ذلك الحين والى اليوم، قطب النفوذ الديني للمملكة حول العالم. ومع ذلك، بعيدًا عن حجر نفوذها في وظيفة “الذراع الديني”، تتطلع الرابطة أن تصبح بابا مفتوحا وجسرا معتمدا للقوة الناعمة.

سيرا وراء هذا الهدف، وذاك منذ توليه رئاسة الرابطة في عام 2016، فقد سعى معالي الدكتور محمد عبد الكريم العيسى إلى جعلها منظمة غير حكومية منافسة لكبريات المؤسسات على الساحة الدولية. ومن هذا المنظور، تبرع أمينها العام الجديد، لصالح الأمم المتحدة بما يقارب 1.1 مليار دولار. تبرع خصص للمساعدات الإنسانية، دون أي اعتبار للمعتقدات الدينية لأصحابها. عملية تصدع صراحة عن الاتجاه الجديد للرابطة: من الآن فصاعدًا، لن تساعد الرابطة، كما كان عليه الحال سابقا، على نشر رؤية ضيقة للإسلام، بل على رؤية إسلام شاملة ومنفتحة تمامًا على العالم وعلى الآخر. ومن أجل الاشهار بهذا الاتجاه الجديد الذي اعتمدته الرابطة، والذي يقطع تمامًا مع ماضيها القريب، قام أمينها العام الجديد شخصيًا بجولة كبيرة حول العالم. مهمة ذات أهمية كبيرة وثقة كبيرة رسمها الرجل الذي يطلق عليه المراقبون لقب “رجل الشرق الأوسط القوي الجديد”: ولي عهد المملكة الأمير محمد بن سلمان.

خلال مقابلة مع صحيفة واشنطن بوست في عام 2017، صرح ولي عهد المملكة أنه بناءً على طلب الحلفاء، انفقت بلاده وبسخاء وذاك بنية مواجهة الأيديولوجية السوفيتية. عملية مكلفة للغاية، اعتبرها الغرب الفرصة الوحيدة للحد من انتشار الأيديولوجية السوفيتية والطريقة الوحيدة لمنعها من غزو العالم الإسلامي أو اكتساب أدنى نفوذ هناك. دور لم تعد المملكة تعتزم القيام به، مصممة على العودة إلى إسلام وسطي، مفتوح على جميع الديانات وعلى العالم. منحى جديد تجسد في طرد العديد من القادة الدينيين المعادين لروح الإصلاح والحد من بعض تجازوات الشرطة الدينية. تحولات هدفها تقليص سلطة رجال الدين عن طريق إزالة أي إمكانية لفرض “معاييرهم”. إجراءات تلتها، بعد فترة وجيزة، منجزات رمزية أخرى. تنظيم أول حفل موسيقي في المملكة، إعادة فتح دور السينما، الى جانب السماح للنساء السعوديات بقيادة سياراتهن على يبسل المثال. ولأول مرة في تاريخ المملكة العربية السعودية، تم الاحتفال بالعام الجديد علناً. في بلد نصف سكانه (33.4 مليون) عمرهم لا يناهز 25 عامًا، بات من الضروري فتح بعض المتنفسات لهذا الجيل الجديد من الشباب.

بيد انه من بين جميع الإصلاحات الكبيرة التي تولاها ولي عهد المملكة الأمير محمد بن سلمان، يهدف مشروع رؤية السعودية 2030 إلى أن يكون برنامجًا للخصخصة والتنمية الاقتصادية والبشرية على نطاق واسع، ينوي ولي العهد من خلاله تحديث بلاده على أوسع نطاق ممكن. مشروع عملاق يهدف إلى الاستثمار في العديد من المجالات الاقتصادية: السياحة، الترفيه، الصناعات المبتكرة، في مقدمتها. مشروع طموح سيخلق أكثر من مليون فرصة عمل، خاصة لفائدة الشباب. مشروع لم يسبق اليه، مكن المملكة العربية السعودية بالفعل من الرقي إلى المرتبة 62 على مستوى العالم وفقًا لتقرير “ممارسة أنشطة الأعمال 2020”. قفزة ب 30 مرتبة، في أقل من عام، مقارنة بعام 2019.

اعتمادا على هذه المعطيات، فلا ريب أن المملكة العربية السعودية تجتهد في كتابة فصل جديد من تاريخها المجيد. نقطة تحول رئيسية تثبت استعدادها لاتخاذ مسارات طموحة، واعدة وأكثر طمأنينة.

Lire aussi

Mont Sinaï

الإعجاز في إشارة القرآن إلى جانب الطور الأيمن

(عبد الإله بن مصباح – جامعة ابن طفيل – المغرب) من المفارقات الغريبة في آيات …

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

*

code